عبد الملك الجويني
270
نهاية المطلب في دراية المذهب
هذا تفصيل القول فيه إذا كانت العدتان من شخصين ، وكانتا مختلفتين إحداهما بالحمل والأخرى بالأقراء . 9902 - وقد تمهد من أصل الشافعي أن العدتين لا تتداخلان [ إلا ] ( 1 ) من شخصٍ واحد ، وقد نص الشافعي في التعريض بالخِطبة على أن الحربيّ إذا طلق زوجته ، فنكحها حربيّ [ آخر ] ( 2 ) ، ثم طلقها ، فلا يجمع عليها بين عدتين . وقد اختلف أصحابنا في المسألة : فمنهم من قال في المسألة قولان : أحدهما - أنهما لا يتداخلان من الحربيين ، كما لا يتداخلان من المسلمَيْن ؛ فإن لعدة الكفر حكماً لا ينكر ، والدليل عليه أن الكافر إذا نكح كافرة في العدة ثم أسلما - والعدة باقية - فنحكم بفساد ذلك النكاح ، إذا أدركت العدةُ زمانَ الإسلام ؛ فإذا ثبت أصل اعتبار العدة ، فلا وجه للفرق بين المسلمَيْن والكافِرَيْن في امتناع تداخل العدتين . والقول الثاني - أن العدتين تتداخلان من الحربيين ؛ فإنه لا يثبت لهما من تأكد الحرمة ما يثبت للمسلمين ، وأصل العدة مرعيٌّ والكفار في حكم الشخص الواحد . وهذا غير سديد ، والأصح في القياس إذا سلكنا طريقةَ القولين ، القول الأول ، وعليه جرى الشيخ أبو بكر الأَوْدَني في المناظرة ، فإنه أُلزم مسألةَ العدتين من الحربيين ، فارتكب ( 3 ) وقضى بأنهما لا يتداخلان . ومن أصحابنا من قال : إذا نكحت الحربية حربياً وألم بها ، انقطعت عدة الأول باستيلاء الثاني ، وأملاك الحربيين وحقوقُهم عرضةٌ للسقوط بالاستيلاء ، ولو قهر حربي حربية ، وكانت زوجة لحربي ، فإنه يصير بالقهر مسترقاً للحربية ، ويرتفع النكاح ، فإذا كان النكاح يرتفع ، فلا يبعد أن تنقطع العدة انقطاعاً لا يعود ، فهذا إذاً قَطْعٌ للعدةِ الأولى ، وليس من تداخل العدتين في شيء .
--> ( 1 ) سقطت من الأصل ، ولا يستقيم الكلام إلا بها . ( 2 ) زيادة لإيضاح الكلام . ( 3 ) ارتكب : هذا اللفظ استخدمه الإمام أكثر من مرة ، ولم أجده مفسَّراً في مظانه من مجموعات وكتب المصطلحات الخاصة بالجدل والمنطق والفلسفة ، والذي يتضح من السياق أن معناه هو " التعسف واللجوء إلى الوجه الذي لا أصل له فراراً من إلزامه أمراً آخر " والله أعلم .